أفريقيا وأميركا اللاتينية... شراكة واعدة

Envoyer Imprimer PDF

 

يجب على أميركا اللاتينية وأفريقيا تحدي تدفق التجارة العالمية من خلال التجارة البينية، ومن خلال تكوين روابط أكثر قوة. هذا ما قاله الرئيس البرازيلي السابق يوم الاثنين الماضي في المنتدى الاجتماعي العالمي في العاصمة السنغالية داكار.

وهذه رسالة قام الرئيسي البرازيلي السابق المنتمي إلى "يسار الوسط" بتوصيلها بالفعل خلال جولاته الاثنتي عشرة التي قام بها لأفريقيا خلال الفترة التي تولى فيها الحكم، والتي امتدت ثماني سنوات، وانتهت قرب نهاية عام 2010.

قال"دا سيلفا":" في التسع وعشرين دولة أفريقية التي زرتها خلال ولايتي كرئيس للبرازيل، ذهلت من مستوى الحيوية التي تبديه القارة في تولي مصيرها بنفسها". وأضاف:"لديّ اعتقاد راسخ أنه في العالم الذي سيتشكل في المستقبل القريب سوف يكون لقارة أفريقيا أهمية أكثر من ذي قبل للدول الآخذة في النمو".
"منذ عام 2003، وهو العام الذي تولى فيه دا سيلفا، قامت البرازيل بمضاعفة عدد سفاراتها في أفريقيا، وضاعفت من حجم التجارة معها خمس مرات، وجعلت من التجارة رأس حربة سياسة التعاون البرازيلية الجديدة مع القارة".... هذا ما تقوله "آن فراهاوف" المحللة المتخصصة في الشؤون الأفريقية، والعاملة في مجموعة "أوروآسيا للاستشارات"، التي تتخذ من نيويورك مقرا لها.

ومن المعروف أن القارتين تتشاركان في العديد من الأشياء: فهما مشهورتان بإنتاج المحاصيل النقدية، كما يطلان على محيط واحد، ولهما تاريخ متشابه من الغزو الأجنبي بواسطة القوى الاستعمارية ثم التحرر من تلك القوة والوقوع تحت وطأة الحكم العسكري. ولكن القارتين لا تتشاركان في العديد من المجالات التي تشكل ملامح أساسية للقرن الحادي والعشرين ومن أبرزها التجارة والعلاقات الدبلوماسية، حيث لم تكن هناك تجارة ذات شأن بين دول القارتين، كما لم تكن بينها علاقات دبلوماسية.

فمعظم علاقات دول القارتين التجارية والدبلوماسية، بل ومصالحهما الاقتصادية والجيوبوليتيكية، كانت تتجه شمالًا وبشكل مباشر نحو الولايات المتحدة وأوروبا على وجه التحديد. الخبراء يقولون إن هذا الوضع آخذ في التغير.
فمع ازدهار الاقتصادات في العديد من الدول الواقعة على جانبي الأطلسي الجنوبي يتم في الوقت الراهن رسم خطوط جديدة للتعاون بين القارتين، وخصوصا بين تلك الدول الأكثر قربا من غيرها كالبرازيل وغرب أفريقيا على سبيل المثال.

والرئيس"لولا" وهو الاسم المعروف به الرئيس البرازيلي السابق، ذو الشخصية الكاريزمية على النطاق العالي، حث دول القارة خلال المنتدى، على الاتحاد سياسياً، والسعي لإيجاد شركاء جدد في نصف الكرة الجنوبي، والابتعاد تدريجياً عن القوى الاستعمارية السابقة التي كانت تسيطر على دول القارة.

وقال "دا سيلفا" إن الأزمة المالية التي بدأت عام 2008 قد أضعفت من قدرة الولايات المتحدة وأوروبا على توجيه السياسات الاقتصادية العالمية، وعلى إصدار الأوامر للدول الواقعة إلى الجنوب من حدودها". وقال "دا سيلفا" :"إن هؤلاء الذين كانوا لا يتوقفون عن إعطائنا الدروس، عجزوا عن تفادي الكارثة الاقتصادية التي حلت بهم ثم انتقلت لباقي العالم".

وإذا كان دا سيفا يهدف بكلماته وعباراته القوية تلك إلى إشعال شرارة التضامن بين القارتين فإن تلك العبارات لم تحقق هذا الهدف على ما يبدو على الأقل بالنسبة للرئيس السنغالي عبدالله واد، الذي اكتفى بقول كلمات محدودة عقب خلالها على ما قاله دا سيلفا.

الرئيس البرازيلي السابق تحدث عن التضامن بين دول العالم الثالث، وعن نهاية الكولونيالية الجديدة، والشرور التي ارتكبها صندوق النقد الدولي.. في حين اكتفى "عبدالله واد" بتقديم محاضرة عن "جون مايارد كينز وعن"اليد غير المرئية" لاقتصادات المشروعات الحرة.

ولم يكتف "واد" بذلك، بل وجه سؤالاً مباشراً للناشطين البرازيليين المشاركين في المؤتمر عندما خاطبهم قائلًا:

"قولوا لي بصراحة هل تمكنتم من إحداث أي تغيير على نطاق عالمي؟".

والأمر اللافت أن شعبوية أميركا اللاتينية قد اصطدمت برسمية المستضيفين في مجال الزي ـ على الأقل ـ يوم الاثنين الماضي. فعندما تقدم الرئيس البوليفي" إيفو موراليس" ـ الذي كان قد وصل إلى العاصمة السنغالية لإلقاء خطاب شعبي مفتوح ـ كان يرتدي قميصه الشهير ذا الياقة المميزة مع بنطلون عادي وحذاء رياضي، وهو زي يصلح لأن يرتديه والد في عيد ميلاد ابنه، ولا يصلح لرئيس يزور دولة أخرى لحضور منتدى عالمي. وكان الزي الذي ارتداه الرئيس البوليفي متناقضاً تمام التناقض مع زي مستضيفيه الأفارقة الغربيين الذين كانوا يرتدون بدلاً أوروبية كاملة أنيقة.

بصرف النظر عن اختلاف الزعماء اللاتين والأفارقة فيما بينهم بشأن الكيفية التي يجب أن تتم بها صياغة العالم وتحويله إلى عالم آخر أكثر عدلاً، فإن المحللين يتفقون على ضرورة اتفاق قادة دول القارتين على أن نقطة الانطلاق للتعاون بينهم، يجب أن تكون هي الزراعة.

قال"لولا" في الخطاب الذي ألقاه في داكار:" ليس هناك سيادة بدون أمن غذائي". ودعا الرئيس البرازيلي السابق إلى تحقيق"ثورة خضراء" في أفريقيا على خطى النموذج البرازيلي الذي حقق مكاسب لا حصر لها. وواصل "لولا"كلامه قائلًا: إن مناطق السافانا في أفريقيا التي لم يزرع منها سوى 10 في المئة فقط كافية وحدها لإطعام أفريقيا، طالما لم يتم استغلالها من قبل الاحتكارات الزراعية العالمية، أو لم يستولِ عليها منتزعو الأراضي".

وقوبلت كلمات الرئيس البرازيلي السابق الحماسية بهتاف وتهليل من الحاضرين الذين ضموا طيفاً واسعاً من القادة والناشطين والمحتجين والزوار العاديين من مناطق مختلفة.